close
menu
 Walid Amriou

The website and the blog of Walid Amriou

You can use the translate tool

بين المسؤولية والسلطة




رأيت الكثير من التصرفات الغريبة بالنسبة لي مثل: الإعتداء بالضرب على الأطفال من قبل آباءهم، إنشاء مشاريع مثل 100 محل في كل بلدية ورغم أن بعض البلديات مجهرية وعدد شبابها لا يصل إلى 100، أو طرد الطلبة تأخروا عن موعد إمتحان مهم وهم يحضرون له لمدة سنة كاملة والتأخر كان بدقيقة فقط. والسؤال الذي كان يدور في رأسي مع هذه المشاهد هو ما الذي يحصل تحديدا؟ كيف يفكر صناع هذه القرارات سواءا الأباء الذين يمارسون العنف أو رؤساء البلديات الذين يبددوا المال العام أو مدراء المراكز والحراس والأساتذة الذين يمنعون الطلبة تأخروا دقيقة من الإلتحاق بإمتحانهم والذين لم يأخذوا جهدا ولو قليلا في التفكير في المجهود الذي قاموا به ودمروه هاكذا هباءا. 

بدأت حكاية هذا المقال الذي أكتبه حينما وقعت في صدام مع مسؤول مكتبة كلية التكنولوجيا بجامعة المسيلة، حيث كانوا قد وضعوا قانونا يتعلق بجعل الفترة الصباحية لأخذ الكتب والفترة المسائية لإرجاعها ويمكنك فقط أخذ الكتب لمدة 10 أيام، أظن أن هذه القوانين معيقة أكثر منها منتجة، فمثلا المكتبة أغلب الوقت فارغة ولا تعاني من أي ضغط ولكن رغم ذلك يضعون قوانينا كأن المكتبة تعج بالناس، داخل هذه المكتبة هناك حوالي 5 عمال والذين بهذه القوانين كأنهم لا يعملون، فمثلا كنت قد أخذت معي الكتب بيوم الأحد صباحا لإرجاعها وهي 3 كتب ووزنها ثقيل جدا وقال لي أن الإعادة في المساء فضغطت عليه حتى إستلمها وأنا في وضع إنتظاره قبل ذلك بسبب أنه فتح المكتبة حوالي 8.30 كنت رأيت قائمة الكتب وأعجبني كتاب يخص الإتصالات وأردت الإطلاع عليه، فقال لي " إذن أرجعت الكتب الآن لكي تأخذ كتاب آخر " وكان يتحدث بطريقة كأنني مجرم فأجبته أنه شيء عادي ثم بقي يتحدث فطلبت منه أوراقي وأخذتها من يده ثم بدأ يتحدث بطريقة سيئة مثل أن قال لي " أدرسوا فقط جيدا ثم تحدثوا" وقلت له نحن ندرس بشكل جيد وأريد قول شيء لك أنت الذي تعمل لدي ووضحت له الجملة جيدا بأنه يعمل من أجل الطالب وليس الطالب يعمل من أجله فتنرفز وقال لي هل تدفع لي أنت المال؟ قلت له نعم ثم خرجت، لأنني أعلم أن المال الذي يتقاضاه هو مال موضوع من أجلي كطالب لكي أدرس جيدا وأستخدم الكتب لذلك ذلك بمثابة مالي الخاص الذي أستثمره في التعليم. هذه الحادثة ليست الأولى ولا الثانية ولا الثالثة بل هي مغروسة جدا داخل المجتمع في كل القطاعات، حيث يظن فيها الموظف الحكومي أنه يعمل لدى الحكومة ويظن أن الحكومة مفصولة عن الشعب ويجب أن يصبح مثل الإله.

بعد هذه المقدمة حول سبب كتابتي لهذا المقال وهو أنه بلغ السيل الزبى، أريد أن أقوم بشرح بعض المصطلحات الذي يجب أن يفهمها الناس، أو شرح مصطلحين أساسيين.

أولا المسؤولية: هي تكليف أو تحمل نتائج أو أفعال، وفي حالتنا التي نتحدث عنها الآن هي التكليف بأداء مهمة معينة، والمسؤولية هي تكليف وليست تشريفا بها فمثلا يظن الوزير أنه مشرفٌ بالمنصب بخلاف أنه مكلف بإدارة القطاع في بلده لذلك هو عمل مجهد جدا وليس مشرفٌ جدا، وهنا تختلف المفاهيم، فالمجتمع مثلا يظن أن منصب مدير شركة هو منصب مشرف في حين أنه منصب مجهد ومسؤول عن شركة كاملة وفي حالة القيام بقرار خاطئ قد تنهار الشركة وسيأثر هذا على الكثير من العائلات.

ثانيا: السلطة هي محاولة تمييع المسؤولية لتصبح أداة للتحكم وتمرير قرارات جوفاء وظالمة. فمثلا في مثالنا السابق حاول مسؤولوا المكتبة تمييع وظيفتهم كمسؤولين عن المكتبة إلى جعل أنفسهم يملكون سلطة على الطلبة بحيث يعيقون العملية التعليمية بشكل ما من خلال قوانين غبية.

هنا قد وضحت المصطلحين الذين كان يجب أن يعرفهما القارئ قبل أن يقرأ ما أكتب، ولكن هناك سؤال آخر لماذا أنا أكتب أصلا عن " المسؤولية والسلطة" سأجيب بأن الكثير من المؤسسات العمومية الحكومية قد عشش فيها موظفون يظنون أنفسهم لا يعملون لدى الشعب ويظنون أنفسهم أنهم يملكون سلطة أو تشريفا ما من خلال أداء وظيفة ما خدمة للمجتمع، فيظنون مثلا أن الشعب لا يدفع لهم لكي يعملون هناك وغيرها من الأفكار الغريبة حقا، وبهذا فهم يعيقون الناس والشعب ويعيقونني أنا أيضا عن أداء مهامي كاملة في وقتها. فموظف الدائرة أو البلدية وغيرها من المؤسسات العمومية هم موظفون في خدمة المجتمع وليسوا معينين بدرجة " سامية " لكي يفعلوا ما يريدون. وقد يقول القائل:" ولكنها الخبزة " وهو مصطلح يطلق في الجزائر على الجر خلف المال، فأنا أقول لهم أن أي شخص لا يقوم بمهمة موكلة إليه على أكمل وجه وهو يَعِدُ بوعد أنه سيقوم بذلك على أكمل وجه هو شخص خائن سواءا كان في وظيفة ذات مسؤولية كبيرة أو ذات مسؤولية صغيرة، فالخيانة نفسها سواءا أن تخون المجتمع أو أن تخون حبيبتك/حبيبك.

هناك سؤال آخر سيتبادر لكل شخص باحث عن الحقيقة، سيسأل: " ولكن لماذا يفعلون ذلك؟  لماذا لا يقومون بمهامهم؟"، والجواب هو ﻷنهم لا يظنون أنهم يعملون عند الشعب بسبب أن مصطلح "الدولة" أو "الحكومة" أو " الحكم" تشير في مجتمعنا الحالي بشكل غير مباشر إلى قسم أو مجموعة تتحكم في المجتمع وتنخر فيه وتتسلط عليه لذلك يبدوا للناس أن "الدولة" أو "الحكومة" بكل مؤسساتها هي هيئة تسلطية ومن هذا فالكثير من الموظفين الحكوميين ( الذين هم من المجتمع أيضا ) ولو كانوا مجرد موظفين في مكتبة صغيرة جدا عمومية أو حارس باب فقط يبدون سلوكا تسلطيا إتجاه المواطن لأنهم يظنون أنهم حينما يفعلون ذلك فهم موظفون حكوميون. فذلك السلوك التسلطي ينبع من فكرة أن "الحكومة بكل مؤسساتها" ليست من المجتمع أو هي هيئة موضوعة من جهة ما بالرغم من أنك لو تلاحظ جيدا تجد أن جل تصرفاتهم هي تصرفات موجودة في المجتمع.

الآن نتجه إلى الحل لمنع الموظفين من سلوك ذلك السلوك، أولا هناك الحل الأخلاقي فيجب أن يفهموا أنهم في خدمة الشعب فإذا فهموا هذا جيدا ربما لن تحتاج لحلول آخرى، الشيء الثاني يجب أن يعرفوا بأنهم مسؤولون وليسوا مشرفين بأداء المهمات المحددة قانونيا لكي يقوموا بها، ثالثا معرفة أن الجري خلف الخبزة أو المال لا يعني أن تصبح شخصا متسلطا. فإذا لم يصلح الحل الفلسفي العقلي الأخلاقي وجب إستخدام إحدى الأفكار الفيديلارية أو الأفكار الإقتصادية، وهي بجعل المؤسسات العمومية إلى ما يشبه شركات مصغرة حيث تقوم بإدرار المال وتدفع رواتب الموظفين وتعيد الفائض إلى الخزينة، بحيث مثلا يصبح موظف في الدائرة أو مركز البريد موظفا منتجا، فحينما يقوم بمجهود أكثر ويصبح مبتسما مثلا سيحبه المواطنون فيأتون لكي يأخذوا أموالهم من عنده، وحينما يأتون كثيرا يدخل لذلك المركز البريدي أموال أكثر ويحصل الموظف على أجر أفضل حيث يتم توزيع الأجور بنسب معينة، فمثلا مركز بريد إستفاد من 100 مليون دينار من المواطنين فهو يحدد قانونا بأن يدفع 40 بالمئة من ذلك للموظفين فيقسم بالتساوي حتى المدير يأخذ نفس أجرة العامل العادي، فمثلا لديك 4 موظفين فقط فيستفيد كل واحد من 10 مليون وهاكذا، هذه فكرة جيدة جدا فكرت فيها لتحويل قطاعات غير منتجة إلى قطاعات منتجة وفي نفس الوقت تحويل الموظفين الكسالى الإداريين إلى موظفين نشطين وكذلك يمنع المدير من الظن أنه إله داخل ذلك المركز أو أنه يستطيع فعل ما يريد فسيشعر بأنه موظف مثل الجميع ولديه مهمة وهي مراقبة كل شيء والإدارة العامة لكل شيء، بهذا سيجعلون من المواطن حينما يزورهم ملكا وسينسى الموظف أن الدولة تدفع له لذلك ينسى فكرة التسلط وإهانة المواطنين ويصبح يفكر في أنه إذا لم تكن سلوكياته جيدة سيعيق عائلته وعائلات زملائه لأن المواطنين لم يصبحوا يأتون له. وكملاحظة فالمواطن حينما يأتي لتلك المؤسسة يدفع ضرائب بسيطة أو رسوم لقاء الحصول على خدمة.

أظن أنني نسيت ذكر شيء مهم جدا وهو الأخلاق الإنسانية، فالخيانة والكره والحسد وغيرها أشياء غير إنسانية بل هي عدائية حيوانية، فالحب والمسامحة والصدق والوفاء هي قيم إنسانية سامية وهي التشريف الحقيقي، فالشخص الصادق هو الشخص الشريف وليس الشخص الشريف هو الشخص الكاذب. ربما أيضا علي ذكر أن الأشخاص الذين يقومون بأفعال تسلطية هم أشخاص يملكون كرها للمجتمع ولا يريدون له الخير.  وأتعجب من كون الكثير من الأشخاص المتسلطين يقومون أو يقولون عن الأشخاص الغير متسلطين بأنهم خارجون عن القانون أو أنهم يتآمرون علي المجتمع لتحطيمه، وهو سلوك غريب حقا أن يقولوا ذلك.

في الأخير يجب أن تتذكر أنك إذا كنت شخصا طيبا ولا تريد أن تكون خائنا أو قاتلا أو كاذبا أو منافقا فتصطدم بالكثيرين في هذا المجتمع المنهار أخلاقيا وفكريا وإقتصاديا ... وحينما تصطدم بهم سيعملون على تحطيمك وحينما يحطمونك فسيزرعون فيك الأنانية وحب الذات وحب عائلتك فقط وستنبع منك كره لكل المجتمع وستصبح أقوالك " ما دخلي أنا ؟ أتركهم يفعلون أتكرهم يدرمون"، أو بالدارجة " وش دخلني أنا ؟".

أنا لا أملك كرها شخصيا للأشخاص الذين يقومون بأفعال تسلطية أو غير كاملة بل أملك كرها لأفعالهم، فلا أكره الشخص لشخصه بل أكره فعله الشنيع وهو ما أعمل على التنبيه له يتوقف عن فعله. فما حاجة أن أكره شخصا لذاته؟ ماهي الفائدة التي سأحصل عليها أو سيحصل عليها المجتمع؟، فمثلا منظف في الطريق لا يقوم بمهامه كاملة ويترك الفضلات في كل مكان فما الفائدة من أكرهه؟ ولكن حينما أكره عمله السيئ ذلك فهذا شيء عادي لأنه فعل سيء ولا يمكن لشخص عاقل أن يحب أن تبقى الفضلات في كل مكان ويصبح الوضع مقرفا لذلك أعمل على تنبيه ذلك العامل بأن يقوم بمهامه كاملة لأننا نحن أيضا سنقوم بمهامنا كاملة خدمة لبعضنا بعضا ولكي نعيش معا بشكل أفضل.

No comments:

Post a Comment

بعض العناصر في هذا الموقع مثل أزرار التنصيفات وغيرها لا تعمل في الوقت الحالي وذلك بسبب عملية تطوير وصيانة قائمة، ترقبوا الموقع بشكل أكثر تنظيما قريبا.

آخر مقال

التدوينات الموسيقية | مقطع "مزاج الصباح" من إيدفارد جريج - 1875 Musical piece Morning Mood - by Edvard Hagerup

مقطع " مزاج الصباح" أو Morning Mood من بين أجمل المقاطع التي إستمعت لها، وهو مقطع يعزف على الفلوت والمزمار في الأصل و...

المقالات الأكثر قراءة

شارك بقصتك

شارك بقصتك

للمشاركة تواصل معي

أرسل رسالتك

Name

Email *

Message *

المتابعة بالبريد الإلكتروني

المتابعون