close
menu
 Walid Amriou

The website and the blog of Walid Amriou

You can use the translate tool

العرض الفني والتجربة " الإيقاع صفر " من مارينا أبراموفيش ماذا يمكن أن أقول عنها؟ Rhythm 0 by Marina Abramović


واحد من بين التجارب الفنية والإجتماعية في نفس الوقت والتي أريد منها فهم تصرفات البشر ويجعلنا نرى جسدا منهكا بكل ما يحمله المجتمع هي تجربة " الإيقاع صفر" من الفنانة مارينا أراموفيش، يبدوا واضحا أن محاولة فهم أولا فن الفنانة مارينا أبراموفيتش ليس بالأمر السهل وذلك لأنها تقوم بواحدة من الفنون التي تبدوا غريبة جدا حيث تتغير فيها المفاهيم تماما لما نراه حول الفن. 



 قبل أن نجول مع التجربة الفنية أو الإجتماعية Rhythm 0  علينا أولا فهم ما معنى " فن الأداء "، ولأنني لا أريد إطلاق الكثير من فوضى الكلمات والتوصيفات كما قام به العديدون حينما أرادوا إرساء تعريف واضح ففن الأداء هو الفن الذي يقدم عن طريق الفنان نفسه وما نعن به هنا أنا الفنان نفسه هو الذي يصبح اللوحة الفنية وهو الذي يصبح القطعة الموسيقية بجسده وتعابيره وتصرفاته وكلامه وكل شيء. فلو كنت أريد أن أقدم عرضا يجسد صورة حزينة لحالة ما فهنا سأضع مثلا موسيقى حزينة بعض الشيء مع إضاءات خافتة  وخلفية بيضاء تماما وسأجلس على كرسي أمام الجمهور وأبدأ في البكاء وأنا صامت تماما ومتصلب، فلو تخيلت الصورة الكاملة لهذا المشهد ستحس بأنني سأقوم بنقل الصورة الحية لما أريد إصاله حقا بدل أن أعتمد على وسيط مثل لوحة فنية أو قطعة موسيقية لتفهم مقصودي.


مارينا أبراموفيتش فنانة صربية ولدت في 30 نوفمبر 1946 تقدم عروضا فنية حول العلاقة بين الجمهور والمؤدي، حدود الجسد، وإمكانيات العقل. 


في سنة 1974 قررت ماريا القيام بتجربة لمدة 6 ساعات (من 8 مساءا حتى 2 ليلا) أطلقت عليها إسم " الإيقاع رقم صفر " ، وذلك من أجل إكتشاف الذات والجماهير وفهم السلوك الإنساني، وأيضا من أجل إختبار حدود قدراتها الجسدية وحدود خيال الجمهور.  لوصف التجربة قامت ماريا بالوقوف لمدة 6 ساعات بدون أن تقدم على أي حركة أو فعل أو رد فعل طوال مدة العرض، ووضعت طاولت عريضة بجانبها تحتوي على 72 أداة ومن ثم تركت الحرية للجمهور فيما يفعلونه بها أو بالأحرى بجسدها ومن بين الأدوات الموضوعة مجموعة من السكاكين والسلاسل ومسدس بطلقة واحدة وريش وخبز وغيرها. 

في بداية التجربة وبعض الأشخاص بدؤوا يعبثون بها


الطاولة
لقد كانت إشكالية الأداء هي " كيف يمكن للجمهور أن يتصرف إذا لم يفعل الفنان شيئا، أو أن يصبح غير عاطفي تماما مثل الدمية؟ ماذا سيفعلون في وضع مثل هذا؟".

بدأت التجربة بشكل هادئ طوال  الثلاث ساعات الأولى، مع بعض الأشياء الحميمية مثل التقبيل والإحتضان وغيرها، ولكن تحول العرض إلى أشياء خطرة حقا ومنها تقطيع ملابسها بشفرات الحلاقة، ففي الساعة الرابعة للتجربة تم إستخدام نفس الشفرات لقطع أجزاء منها وشرب دمها، لقد أدرك الجمهور حينها أن هذا الجسد الذي أمامه لن يقوم بأي رد فعل للدفاع عن نفسه وحمايته وبالتالي كان ما سيأتي تاليا يدعونا للتعجب حقا من تصرفات البشر (أو بعض البشر)،  فبعج مدة حمل شخص من الجماهير المسدس وكاد أن يقوم بقتلها لولا تدخل أحدى الأشخاص ورمى المسدس من النافذة، بدون أن ننسى التحرشات واللمسات ذات الطبيعة الجنسية وغيرها، بعد 6 ساعات وحينما تحركت مارين فر الجميع من أمامها وذلك بسبب أنهم لم يستطيعوا مواجهتها كشخص.

بعد أن تم نزع ملابسها ووضع سلسلة على رقبتها وجعلها تحمل صورا لها
إن هذه التجربة تجعلنا نفهم الملايين من الأشياء حول الطبيعة والسلوك البشري، بالرغم من أننا لا يمكننا توضيح درجة الوعي لدى الجماهير الحاضرة لذلك قد تبدوا لنا التجربة قاصرة بعض الشيء ولكن يمكننا الإعتماد عليها في حالة أننا لا نهتم حقا بمستوى الجماهير. ففي بداية التجربة لماذا لم يقم الجمهور بممارسة تلك الأشياء العنيفة أو لماذا لم ينزعوا ملابسها مثلا من البداية، وماذا حصل بعد أن قام شخص واحد بالقيام بشيء عنيف واحد ؟ ماذا تغير؟

إن هذا الأمر حقا عميق، فبالأساس يعتبر الإنسان كائنا مسالما محبا وغيرها ولكن ماذا لو تركت له المساحة الكافية بدون أي لوم أو تأنيب أو عقاب، ماذا سيفعل؟، إن هذا الأمر يجعلنا نفهم كما قلت الملايين من الأشياء، ففي تلك اللحظة تظهر حقيقة الأشخاص لذلك بالضبط النظام الإجتماعي يهتم بما هو أسوء لمنعه وليس العكس، فنقطة التحول في التجربة كانت حينما فهم الجمهور بأنه لا توجد قوانين، فحتى لو قالت لهم في البداية بأنهم في وضع حر لم يفهموا ذلك إلا حينما قام شخص ما بتجربة تلك الحرية المطلقة. 



لقد كانت لدي نقاشات طويلة قبل أن أكتب ما كتبته الآن وذلك بخصوص هل أستخدم كلمة تحرش؟، لأن المنطق هو أنني يجب ألا أستخدمها فهي قالت لهم إفعلوا بي ما شئتهم ولذلك لا يمكن قول " تحرش " قانونيا، لأنه لا يوجد أي تحرش قانونيا، فهي قدمت جسدها لكي تخرج كل ما الإنسان والمجتمع من أشياء جيدة وسيئة.

ومن بين الأشياء التي نفهمها، هي أننا لو تركنا أولاءك الذين لديهم سلوك عنف أو تحرش أو حتى بيرقراطية أو ديكتاتورية بدون أي معارضة لما يفعلونه فهم لن يقوموا بالإبتسام لنا، بل ما يفعلونه تاليا هو الأسوء والأسوء مع كل صمت لنا، لأنه بالضبط يصبحون يرون كل تلك الجماهير أو الأشخاص مجرد دمى لا معنى لها ويمكن أن يفعل فيها ماهو أسوء وأسوء. 
 
الشيء الآخر والذي أفهمه بشكل غير مباشر هو كون الأشخاص الذين ينظمون إلى منظمات مثل الأديان أو المجموعات الخيرية والذين يملكون طبيعة عنف أو سلوكات شاذة غير أخلاقية تماما يصبحون بشكل ما بسطحية طيبة ولكن داخلهم وحوش نائمة تستيقظ في لحظات لا يمكن معرفتها، لذلك أحيانا حالة عدم النظام قد تصبح مأساوية بشدة وذلك حينما يستطيع أولائك الطيبين بأرواح وحوش أن يملكوا السلطة المباشرة أو غير مباشرة على المجتمع. 

الجمهور يقوم بتحريك مارينا

تعرفنا التجربة أيضا بشكل مباشر تركيبة المجتمعات التي نعيش بها، وتجعلنا نعيش الحقيقة أيضا بأننا نحن نعيش مع كائنات طيبة حقا بعمق وكائنات متوحشة أيضا بعمق وكائنات مختلطة بين الطيبة والوحشية والكائنات الأخطر التي تجعلنا نظن بأنها طيبة ولكنها متوحشة. 

لقد أعجبتني التجربة بالرغم من مأساويتها الشديدة، وذلك من كونها تضع لنا جسدا في قد تعرض لكل أنواع الممارسات لمختلف انواع البشر في المجتمع أو جسدا يملك كل الأشياء الرائعة والسيئة في المجتمع، بالرغم من أن النهاية حقا مأساوية بكون ذلك الجسد قد تعرض للألم وتلفه الدموع والجروح من كل جانب فهي تجعلنا نقف أمام الحقيقة بشكلها الكامل، أمام لوحة حقيقية لأبعد ما يمكن تصوره. 

إنني ما إستفدت منه حقا هو كون أنه علينا ألا نصمت على أي شيء وألا نصبح ذلك مثل الدمية في مواقف حياتنا سواءا الإيجابية أو السلبية، وعلينا أن نقاوم وبشدة كل أشكال العنف والإضطهاد والضياع الفكري، علينا أن نتحرك.

صورة توضح لحظة بداية التجربة في اليسار وبالتقريب في نهايتها في اليمين ودموع مارينا بما تعرضت له

إنني قبل أن أكتب هذا الموضوع قد أخذت جولة على حياة مارينا وعن التجربة وغيرها، ولكن أردت قبل أن أنهي ما كتبته الآن أن أقدم شيئا غريبا بعض الشيء ويقدم تجربة فنان واقع حقيقي، فمارينا كانت في سنة 1976 قد إلتقت بمولي وهو فنان أيضا بنفس التخصص، وقد عاشت معه قصة حب طويلة حتى عام 1988 ولكن لم تساعدهما الظروف على الإستمرار في علاقتهما، ولكن فراقهما لم يكن عاديا أبدا فقد فضلا أن يكون نهاية قصتهما في سور الصين العظيم وذلك بعد أن يقطعها حوالي 2500 كلم، حيث بدأ " مولي " رحلته من صحراء جوبى وهي إختارت البحر الأصفر، وحينما إلتقيا اكتفيا بقول وداعا وبعض الأحضان. 
في 2010 وبينما كانت مارينا تقوم بإحدى العروض التي تجلس فيها صامتة لمدة دقيقة أمام شخص آخر من الجمهور في كل مرة وهو بإسم " الفنان حاضر"، ذهب مولي للعرض وجلس قبالتها ولا أريد نقل كل شيء بالكتابة فالفيديو سيصف بالضبط ما حدث في تلك اللحظة ولذلك من أجل أن تكون حقا عرضا فنيا وأضع له عنوان " بعد الفراق ":

 
مصادر الصور والمعلومات: 

No comments:

Post a Comment

آخر مقال

المسؤولية في إتخاذ قرارات الحياة Responsibility in making life decisions

الحياة رائعة حقا بكل ما فيها، بل خاصة إذا كانت نحن من صنعناها وما أعني به أنه نحن من نتخذ القرارات التي تخص حياتنا الشخصية ومنه تتوس...

إقتباس الأسبوع

إقتباس الأسبوع

المقالات الأكثر قراءة

Linkedin

تابعني على تيليغرام

أرسل رسالتك

Name

Email *

Message *

المتابعة بالبريد الإلكتروني

المتابعون